الرئيسية / مقالات / النبي مولانا ولا حرج

النبي مولانا ولا حرج

على موقع (الإسلام اليوم) سؤال نصّه: أرجو أن تبيّنوا لي حكم قول: مولانا رسول الله؟ فيجيب الدكتور المتخصص في العلوم الدينية، بعد أن ذكر سمو قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما يجب له من المحبة والتعظيم قائلاً: أمّا قول القائل مولانا رسول الله، فقد درج أهل التصوّف -كما قرأت في كتبهم- على قول هذه الجملة، ولم أجد من السلف الصالح مَن ذكرها في كتبهم، ولو كانت مشروعة، أو محمودة لوجدنا ذلك عندهم، ولم نسبقهم إليها، لا سيما وأنهم حريصون على تعظيم قدره، وهذه الجملة محل إشكال، لأن المعنى الشرعي لكلمة مولى هو الناصر والمعين،

الشيخ عبدالله فراج الشريف

الذي يتولّى الخلق عامة، والمؤمنين خاصة، في كل الأحوال، وليس ذلك إلاَّ لله وحده، كما ذكر أهل العلم، ومن أسماء الله الحسنى (المولى) ورد في قوله تعالى: (وإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصِيرُ). فالصحيح المتعين ألاَّ تُقال هذه الكلمة لما سبق بيانه.. والله أعلم.
ويحار الإنسان كيف يبرر صدور مثل هذا الكلام المخالف للواقع من متخصص في العلوم الدينية، فليس كل ما ورد على ألسنة من يُنسبون إلى التصوف يهدر ويرد، فمن هؤلاء علماء جهابذة، بل لعل جمهور علماء الأمة على مرّ العصور منهم، ونحن عالة على مؤلفاتهم، وما تركوا من آثار، ومن ينتسبون إلى التصوّف فريقان: منهم زهّاد عبّاد وفق شرع الله ومنهجه، وهم كثر، ومنهم منحرفون عن الجادّة تعرفهم من شذوذ أقوالهم وأفعالهم، وأمّا السلف فهم أيضًا سلفان، عالم سبق على هدى من ربه وقوله معتبر، وله عند جمهور علماء الأمة مكانة سامية تجعلهم يلتفتون إلى قوله واجتهاده، ومنهم شاذ القول والاجتهاد، لا يأبه له، وأمّا الانتقاء وهو ديدن بعض المعاصرين، فمَن وافقهم على ما يقولون فهو من السلف الصالح، ومَن خالفهم الرأي والاجتهاد فهو غير السلف، بل هو المبتدع الذي فسق، وأنت لا تجد من فرق الأمة كلها على مر الزمان إلاَّ مَن ينسب قوله ومذهبه للسلف الصالح، حتى وإن كان رأيه يناقض أصول الدِّين، أمّا أن هذه الكلمة (مولانا رسول الله) محل إشكال فقول مردود على صاحبه، لأن حجته واهية، فهو يدّعي أن هذه الكلمة (المولى) لها معنى شرعًا هو الناصر والمعين، والحقيقة أن هذا معناها في اللغة كما جاء في القاموس، وتُطلق على الله وعلى غيره، فتطلق أيضًا على المحب، والصديق، والنصير، وعلى المالك، والعبد، والمعتق، والقريب، وقد وردت في القرآن الكريم ببعض هذه المعاني، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مولى للمؤمنين وهو أولى بهم من أنفسهم، أليس الله عز وجل يقول: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والْمُهَاجِرِينَ إلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُورًا)، فولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنا باقية حتى تقوم الساعة ما دمنا نحبه ونتبعه، فهو مولانا وسيدنا نفديه بكل ما نملك حتى أرواحنا في الدفاع عنه رخيصة نبذلها برضا، ونسقط كل حجة بأن هذا اللفظ لا يُقال لغير الله، وهو في القرآن مذكور في وصف غيره كثيرًا، فالله يقول: (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا ولا هم ينصرون) وحتمًا المولى هنا ليس الله عز وجل، بل المقصود الموالي من البشر، الذين لا يغنون عن مواليهم يوم القيامة شيئًا، والله يقول عن المتبنين (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ومَوَالِيكُمْ ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ولَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)، ولو ذهبنا لذكر كل آية ذُكر فيها المولى وصفًا لغير الله عز وجل لطال بنا الأمر، فاللفظ عندما يُطلق على سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنما يُقصد به الإجلال لمقامه، ولا يعني شيئًا آخر ممّا قد يتوهمه المتوهمون، فلماذا الحساسية الدائمة من البعض من مثل هذا التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والنفرة من ذلك، وقد كان بعضنا في ما مضى ينهى بشدة أن يقول أحد سيدنا رسول الله تحسسًا من أن يكون ذلك إضفاء صفة لا تكون إلاَّ لله، مستشهدًا بحديث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السيد الله)، وينسى أن النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا أضفى هذا اللقب على سيدنا سعد بن معاذ -رضي الله عنه- وقال: قوموا لسيّدكم. وأما ترديد عبارة (لو كانت هذه العبارة أو هذا الفعل مشروعًا أو محمودًا لوجدنا ذلك عند السلف، فقد أصبحت عبارة ممجوجة، فالحكم الشرعي يثبت بالدليل، لا بزعم أن السلف تركوا ولم يفعلوا، فكثير ممّا نحن عليه اليوم حتى في طلب العلم وتقسيمه إلى علوم وأصول وفروع لم يكن عند خير سلفنا، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا عبارة كما ذكر أهل العلم، ما لم يذكروا وتُذكر أقوالهم فهي عبارة فارغة عن المعنى، عفا الله عني وعني أخي الدكتور، فليقل معنا عن رسول الله صلى الله عليه آله وسلم سيدنا ومولانا، ولا حرج عليه بإذن الله، فهل يفعل؟
هو ما أرجوه. والله ولي التوفيق.

عن عبدالله فراج الشريف

تربوي سابق وكاتب متخصص في العلوم الشرعية كلمة الحق غايتي والاصلاح أمنيتي.

شاهد أيضاً

صورة مقالات صحيفة المدينة | موقع الشريف عبدالله فراج

لا حياة بلا خلق.. ولا خلق بلا دين

يظن بعض الناس أن التخلي كليًا عن ضوابط الدين وأحكامه انفتاحًا، وممارسة الحياة دون ذلك …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: