الرئيسية / مقالات / الإصرار على عقوبة التائب

الإصرار على عقوبة التائب

من الأشياء العجيبة في فكر بعض من ينسبون أنفسهم للعلم والدعوة ‏الاستعجال في ترويج خطأ من وقع في خطأ سواء أكان يسيرًا أم ‏عظيمًا قبل حتى الاطلاع على حقيقة الأمر، وإذا اعتذر عن هذا ‏الخطأ صراحة، وإن كان معصية لله وأعلن التوبة عنها، ظلوا يقعون ‏في عرضه، ويطالبون بأقصى العقوبة له، بدعاوى متهافتة، لا يدل ‏عليها دليل، ولا يثبتها برهان صحيح، ذلك أن الاعتذار قبوله سنة، ‏ففي الحديث (من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد عليَّ ‏الحوض)، وهذا إذا كان الخطأ في حق من اعتذر إليه، أمّا إن كان ‏الخطأ في حق الله أو شرعه، فإن تاب عنه العبد قبل الله توبته، وكل ‏الذنوب صغيرها وكبيرها يغفرها الله إذا صحت توبة العبد عنها، ‏وليس لأحد أن يشكك في توبته ليحتقره، أو ليسعى في إضراره، فربنا ‏عز وجل يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن ‏رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وفي ‏كثير من آيات كتاب الله البشرى بقبول التوبة، ويؤيد هذا سيدي ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (التائب من الذنب كمن لا ‏ذنب له)، وما أيسر الدين إذا نظرت إليه بما نظر إليه سيد خلقه وإمام ‏رسله وخاتم أنبيائه سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما زنت ‏امرأة من جهينة وحملت ووضعت ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى ‏عليها بأبي وأمي هو رسول الله، فقال سيدنا عمر: نصلي عليها يا ‏رسول الله وقد زنت؟ قال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من ‏أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز ‏وجل)، وقد رأى العلماء أن من زنا فأقيم عليه الحد، فقذفه أحد بالزنا ‏أن يعاقب تعزيرًا، لأنه زاد عليه عقوبة لم يشرعها الله، والآيات ‏والأحاديث في هذا الباب كثيرة أليس ربنا يقول: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ ‏فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ‏الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، ويقول: ‏‏(وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا ‏رَّحِيمًا)، وحتى من ارتد عن الدين لم يقتل حتى يستتاب، فإذا أظهر ‏التوبة ورجع عن ردته لم يثرب عليه، وليس لنا إلا ما يظهر، أما ما ‏أخفاه في صدره فلسنا مسؤولين عن البحث عنه، والذنوب سادتي ‏تمحوها التوبة تمامًا كما أن الحسنة تمحو السيئة، فربنا عز وجل ‏يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ‏السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)، وحقوق الله مبنية على التسامح فهو ‏الغفور الرحيم، الذي لا تضره معصية العاصي، وحتمًا لا تنفعه ‏طاعة الطائع، أمّا حقوق العباد فمبناها على التشاحن، وقل منهم من ‏يعفو عن أخيه إلا من أراد الله أن يرفع بالعفو قدره، وما أثمن ‏نصيحة سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا حيث قال: (اتق الله ‏حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، ‏وحتمًا هذا كله لا يعني أن نترك للناس الحرية في أن يتطاولوا على ‏الدين أو يسيئوا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولكنهم إذا تابوا ‏لما وقعوا فيه جهلًا أو عمدًا كففنا عنهم، فأعظم الذنوب الشرك بالله، ‏والله يغفره للعبد إذا آمن وحسن إيمانه، أما قول الله عز وجل: (إِنَّ ‏اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فإنما ذلك يوم ‏القيامة، فمن أصر على الشرك حتى مات مشركًا عن ربه فلا شك أنه ‏لا يغفر له، ولنتذكر دومًا قول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يرويه عن ربه (مَن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها ‏مغفرة)، ولنعرف أن ليس إلينا قبول توبة العبد أو ردها، ولنكن رحماء ‏فيما بيننا فليس منا من يضمن ألا تقع منه المعصية أو يضل، فإنما ‏نحن الخطاءون وخيرنا التوابون، ولا يظنن أحد أنه قد أوكل إليه أمر ‏الفصل في ذنوب العباد ما لم تكن ذنوبًا لها عقوبة مقدرة وهو قاضٍ ‏يحكم بها إنفاذًا لشرع الله وألا يتألى أحد منا على الله فيحكم بأن الله لا ‏يقبل توبة أحد من عباده مهما كان ذنبه عظيمًا، رحم الله من رحم ‏عباد الله، ولنتذكر قول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ‏من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فأشقق عليه)، فكيف إذا شق ‏عليهم ولم يل من أمرهم شيئًا، بل كان متطفلًا، فهل ندرك هذا؟ هو ما ‏أرجوه والله ولي التوفيق.‏

عن عبدالله فراج الشريف

تربوي سابق وكاتب متخصص في العلوم الشرعية كلمة الحق غايتي والاصلاح أمنيتي.

شاهد أيضاً

صورة مقالات صحيفة المدينة | موقع الشريف عبدالله فراج

كارثة القول في الدين بلا علم!

إن وقاحة الجاهل إذا بلغت الحد الذي يُنصِّب فيه نفسه عالِماً بالدين، ويخوض في علومه …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: