أخلاق الشعوب وإعلامها

لم يعد أحد يشك في زماننا هذا بكذب المقولة، التي رددها كثير من الصحفيين والكُتَّاب، بأن الإعلام أو الصحافة مرآة الشعوب، حيث تنقل للناس أخلاق وسلوك هذه الشعوب على صفحاتها، فمن أراد معرفة شعب فليقرأ صحافته أو يسمع لوسائل إعلامه، إلا أن الأزمان تتغير ويتغير كثير مما كان يعتبر لدى البعض ثوابت، واليوم أصبحت الصحف تصدر كما يقولون بالأخطار، فينشئ من شاء ما شاء من الصحف بل ومن كل وسائل الإعلام ويكفيه أن يخطر حكومته، ليفاجئ الناس أن صحيفة تصدر كل ما يكتب فيها لا يمت للحقيقة بصلة، وكتابها يشتمون من شاءوا، ويصفون بعض من شاءوا بأقذر الأوصاف، ولا يهتمون بما يكتبون من قذارات، ولا يهتمون لما يقومون به من قدح في الأعراض، وإنك لتلاحظ اليوم صحفًَا وقنوات إذاعية أو تليفزيونية إنما نشأت لهذا الغرض، تقرأ وتسمع فيها صباح مساء الإساءات تلو الإساءات للأفراد والجماعات بل والشعوب، ولا أحد يردعها عن ذلك، بل إن القانون يغيب عنها تمامًَا، ويؤسفني أن أقول إن بعض أو جل القنوات الخاصة الفضائية في عالمنا العربي أنشئت لهذا الغرض، وهي اليوم لا تقدم شيئًَا سوى تعقب الخلق بالتهم، مما لو أوقف منشئوها ومن يعد لها البرامج أمام قضاء نزيه لنالهم من العقوبات أشدها وأقساها، وبعض دولنا العربية لم تكن تشم فيها الصحف وسائر وسائل الإعلام رائحة حرية التعبير، اندفعت بعد ما سمي بالربيع العربي، الذي أنشأ فوضى عارمة في بعض بلداننا العربية التي مر بها، ففي بلد مضى تاريخه في العصر الحديث تحت قيادة مستبدة تمامًَا، لا تعرف وسائل إعلامها حرية التعبير أصلًَا، وإن سمح بشيء منها فلذر الرماد في العيون لا غير، حتى لا ترى الحقيقة المرة، فإذا بها بعد الربيع العربي تنضح صحافتها فيما ذكرنا في صدر هذه المقالة بالسوء المتنامي، وإذ إعلامها كله إعلام ردح وتشفٍّ في الأصدقاء قبل الأعداء، بل لأنها تردح للمخلصين من أبناء شعبها، لا تحترم له قاعدة وتسيء إلى كل رموزه ومع هذا تدعي الوطنية، وحتمًَا ستعود أساليبها على بلدها بالسوء، حتى تصرف الناس عنه، وقد صُرف الكثيرون عنه فعلًَا، وأصبح حتى من مدوا له يد العون على مر الزمان وفي أحلك الأوقات يحذرونه، فهم لا يرون له قدرة على كبح جماح سفهاء إعلامه، هم يعلمون أن مسؤوليه ينالهم من إعلامهم الكثير من الأذى، ولكن الصبر على الظلم ليس من شيم الأحرار، وترى التراشق بالتهم بين كتابها ومذيعي قنواتها وترى أردأ ما يمكن أن يعلن على وسائل الإعلام فيها يعلن جهارًا حتى تأذى عقلاء الوطن منها، وأصبحت هذه الوسائل لا يقبل عليها أحد في الداخل، ويتسلى بها أعداء البلد التي تصدر فيه وتغرد صباح مساء بما تمجه الأسماع، وينقلب الإعلام إلى ميادين هجاء جاهلية لا تعرف سموًَا للغة، ولا جمالًَا للفظ، ولا ارتقاءً لمعنى، وتنحط العبارات إلى درك العامية، ثم تفاجأ بأن ليس في وسائل إعلامها من يحسن الحديث بالعربية الفصحى أبدًَا وإذا كانت المقولة التي أعلنا كذبها صحيحة عند البعض، فهي اليوم تعلن عن انحطاط العاملين فيها، ولكنها حتمًا ليست مرآة للشعب الذي تصدر في بلاده، فالحكم على الشعوب بالسوء غير وارد لذي عقل ودين، اللهم أصلح حال بلادنا العربية حتى تستطيع أن تقاوم ما يراد بها من سوء، فهو ما نسعى إليه، والله ولي التوفيق.

عن عبدالله فراج الشريف

تربوي سابق وكاتب متخصص في العلوم الشرعية كلمة الحق غايتي والاصلاح أمنيتي.

شاهد أيضاً

صورة مقالات صحيفة المدينة | موقع الشريف عبدالله فراج

إذا تنكرت الدنيا للإنسان لمرض وانقطاع عن الناس

الإنسان ولا شك كائن اجتماعي لا تلذ له الحياة إلا بالاختلاط بسواه ممن خلق الله، …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: